عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

120

اللباب في علوم الكتاب

الطّرفين على الآخر إلّا لداعية مرجّحة ، وحصول تلك الدّاعية ليس من العبد ، وإلّا لزم التّسلسل ، فثبت أن خالق تلك الدّاعية هو اللّه تعالى ، وثبت أن مجموع القدرة مع الدّاعية الخالصة يوجب الفعل ، فثبت أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر وغير مريد لذلك الإيمان . قوله : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ . نهي له عن هذه الحالة وهو قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فإنّ من يكفر لسابق علم اللّه فيه ، وهذا النّهي لا يقتضي إقدامه على مثل مثل هذه الحالة كقوله : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [ الأحزاب : 1 ] لا يدلّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - أطاعهم وقبل دينهم ، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسّرك على تكذيبهم ، ولا تجزع من إعراضهم عنك ، فإنّك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل ، والمقصود تبعيده عن مثل هذه الحالة . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 36 ] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) اعلم أنّه بيّن السّبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان ، ولا يتركون الكفر فقال : « إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ » ، يعني : أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ، وإنّما يستجيب من يسمع كقوله : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ النمل : 80 ] . قال علي بن عيسى « 1 » : الفرق بين « يستجيب » و « يجيب » أن « يستجيب » فيه قبول لما دعي إليه ، وليس كذلك « يجيب » ؛ لأنه قد يجيب بالمخالفة كقول القائل : أتوافق في هذا المذهب أم تخالف ؟ فيقول المجيب : أخالف . قوله : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها جملة من مبتدأ وخبر سيقت للإخبار بقدرته ، وأنّ من قدر على بعث الموتى يقدر على إحياء قلوب الكفرة بالإيمان ، فلا تتأسّف على من كفر . والثاني : أن الموتى منصوب بفعل مضمر يفسّره الظّاهر بعده ، ورجح هذا الوجه على الرّفع بالابتداء لطعف جملة الاشتغال « 2 » على جملة فعلية قبلها ، فهو نظير : وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ الإنسان : 31 ] بعد قوله : يُدْخِلُ [ الإنسان : 31 ] . والثالث : أنّه مرفوع على الموصول قبله ، والمراد ب « الموتى » الكفّار أي : إنما يستجيب المؤمنون السّامعون من أوّل وهلة ، والكافرون الذين يجيبهم اللّه - تعالى - بالإيمان ويوفقهم له ، فالكافرون يبعثهم اللّه ثم إليه يرجعون ، وحينئذ يسمعون ، وأمّا قبل ذلك فلا يسمعون ألبتّة ، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله : يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في محلّ نصب

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 12 / 172 . ( 2 ) في أ : الابتداء .